علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
12
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
نشاء لأعمينا أعينهم الظاهرة كما أعمينا قلوبهم فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي فبادروا إلى الطريق فَأَنَّى يُبْصِرُونَ أي كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم والمعنى ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فكيف يبصرون الطريق حينئذ وقال ابن عباس يعني لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ يعني ولو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم وقيل لجعلناهم حجارة لا أرواح فيها فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا أي لا يقدرون أن يبرحوا وَلا يَرْجِعُونَ أي إلى ما كانوا عليه وقيل لا يقدرون على الذهاب ولا الرجوع وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أي نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق وقيل نضعف جوارحه بعد قوتها وننقصها بعد زيادتها وذلك أن اللّه تعالى خلق الإنسان في ضعف من جسده وخلو من عقل وعلم في حال صغره ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن بلغ أشده واستكمل قوته وعقله وعلم ما له وما عليه فإذا انتهى إلى الغاية واستكمل النهاية رجع ينقص حتى يرد إلى ضعفه الأول فذلك نكسه في الخلق أَ فَلا يَعْقِلُونَ أي فيعتبرون ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت قوله عز وجل : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ قيل إن كفار قريش قالوا إن محمدا شاعر وما يقوله شعر فأنزل اللّه تعالى تكذيبا لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يسهل له ذلك وما يصلح منه بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له ذلك كما جعلناه أميا لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض قال العلماء ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا كما روي عن الحسن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتمثل بهذا البيت : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا ، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يا نبي اللّه إنما قال الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا : أشهد أنك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما علمناه الشعر وما ينبغي له » هذا حديث مرسل وروي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها وقد قيل لها « هل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول : ويأتيك بالأخبار من لم تزود » . أخرجه الترمذي وفي رواية لغيره « أن عائشة رضي اللّه عنها سئلت هل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان الشعر أبغض الحديث إليه ولم يتمثل إلا بيت أخي بني قيس طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم يزود فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر رضي اللّه عنه ليس هكذا يا رسول اللّه فقال : « إني لست بشاعر ولا ينبغي لي » . فإن قلت قد صح من حديث جندب بن عبد اللّه قال « بينما نحن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أصابه حجر فدمت إصبعه فقال : هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل اللّه ما لقيت » أخرجاه في الصحيحين ولهما من حديث أنس رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اللهم إن العيش عيش الآخرة * فأكرم الأنصار والمهاجرة » وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب » قلت ما هذا إلا من كلامه الذي يرمي به من غير صنعة فيه ولا تكلف له إلا أن اتفق كذلك من غير قصد إليه وإن جاء موزونا كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون يدخل في